الدولة في عصر الغيبة بين النفي والنيابة العامة
خلاف القطيفي والكركي بين الفقه والسياسة لماذا عارض القطيفي دعم حكومة الصفويين؟
فؤاد ابراهيم * - 14 / 10 / 2007م - 1:25 م - العدد (1)

 

يشكّل نموذج الكركي ـ طهماسب، منعطفاً تاريخياً في حركة الفقه السلطاني الشيعي. فلأوّل مرّة يتقلّد الفقيه منصب النيابة العامة عن الإمام الغائب، ويصل الى أعلى نقطة في الهرم السياسي. وقد فرض ذاك على الفقيه دمغ السلطة بالمشروعية الدينية، وإنتاج تشريعات سلطانيّة متطورّة
 
النيابة العامّة للفقيه نقلته من مستوى الشراكة الى مستوى الإنفراد بالسلطة بوصفه نفسه المؤهّل الشرعي الوحيد لمزاولة مهامها. وهنا يلتقي الأخبار والأصول في الموقف من الحكومات القائمة. فالأول لا يعترف بغير حكومة الإمام المعصوم، والآخر لا يعترف بغير حكومة الفقيه
 
نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم كانت تعني ابتداءً وفي نموذج الدولة الصفوية: شرعنة السلطة وتبرير ممارساتها، وكذلك شرعنة اندماج الفقيه في جهاز السلطة. ولكن النيابة تطورت الى ولاية الفقيه السلطانية، فكان تمددها اجتياحاً للسلطة وصولاً الى الإنفراد بها
 

 

توطئة
 

في مطلـع الـقرن الـرابع عشر الـميلادي، أسس الـشـيخ صفي الـدين في مديـنة أربـيل بمقاطعة آذربـيجان طريقة صوفية، ما لـبث أن سلكت مساراً سياسياً، وأخذت شكل الـتـنظيم الـسياسي، تبلور بعد تحوّل الـعائلة الـصفوية الـى الـمذهب الـشـيعي الاثـني عشري، فنقلت له عدوى الـتصوف، وألهمت مـنه روح الـمقاومة. وقـد نجح اسماعيل بـن صفي الـديـن ت 930هـ في بـناء دولة ما بـيـن خليج الـبصرة ونهر جيحون ونهر الـفرات وافغانستان، وقـد ورث اسماعيل الـسلطة عن أبـيه، وكان يــبلغ مـن الـعمر أربع عشرة سنة، فخضع لمجلس وصاية مؤلف مـن سبعة مـن مشايخ الـصوفية.

وقـد حاول الـشاه اسماعيل الـصفوي ت 930هـ  الـذي قـدم نفسه واحداً مـن سلالـة الامام الـكاظم اقامة مملكة اسلامية، وبذل جهودا حثيثة لادماج مخـتلف الـطوائف في الـمذهب الـشـيعي، فكان يطمح الـى توحيد الـفرس والاتراك والـمغول والـعرب تحت سلطانه. يقول د. كوثراني: (وهذه نفسها مهمة الـخليفة الـعباسي الـذي أصبح بلا سلطة حقيقية ولا نفوذ يذكر)(1).

وتوسّل الـشاه اسماعيل كيما يحقق طموحه الامبراطوري، ويحصّن دولته قبالـة الـدولة الـعثمانية الـسنيّة الـمـنافسة والـمتاخمة لحدود دولته، بالانـتماء للمذهب الـشـيعي وتعميمه في كل أرجاء ايران، الامر الـذي يحبط الاعتقاد الـشائع والـقائم على أرضية أن الـتشـيع نـتاج فارسي، أو أنه رد فعل مـن جانـب الـروح الايرانية، فحركة الـتشـيّع حسب فلهاوزن نشأت على تربة عربـية خالـصة(2).

ويدعم فلهاوزن هذا الـرأي بأبحاث الـتوزيع الـجغرافي للشـيعة في الـقرن الـرابع الـهجري، حيث كانـت جزيرة الـعرب شـيعيّة كلّها، عدا الـمدن الـكبرى، مثل مكة وتهامة وصنعاء، وكان للشـيعة غَـلَـبَـة في بعض الـمدن أيضاً مثل عمان وهجر وصعدة(3). أما في بلاد فارس فكان الـشـيعة كثيريـن على الـسواحل الـتي تتصل اتصالا وثيقاً بالـعراق وخصوصاً بالـعرب الـمتشـيعيـن، أما في جميع الـمشرق فكانـت الـغلبة لأهل الـسنة الا أهل قم، حتى أن فتـنة كبـيرة اندلعت عام 345 هـ /   956 م بـيـن أهل قم الـشـيعة وأهل اصفهان الـسنّة (بسبـب خلاف مذهبـي)(4). ويذكر ابـن الـجوزي في الـمـنـتظم: (ومما يحكى عن أهل اصفهان أن الـمقـدسي، الـمطهر ابـن طاهر، كاد يــبطش به لأنه أنكر على رجل مـن عبّاد أصفهان قوله إن معاوية نـبـي مرسل)(5).

الـمصادر الـتاريخية تجمع على كون أكثر أهل ايران في تلك الـفترة مـن الـسنّة، على مذهب الامام الـشافعي، وحيـن اعتلى الـشاه اسماعيل الـعرش في تبريز أقرّ اعلان الـمذهب الـشـيعي الامامي مذهباً رسمياً لجميع ايران، وأعلن عن قراره ذاك في خطب الـجمعة، فكان أول سلطان مـن الـصفوية هـمّـه ترويج مذهب الامامية في جميع الـبلاد(6). كما وأصدر فرماناً بأن يخطب خطباء آذربـيجان باسم الائمة الاثـني عشر، وأن يكون الأذان بـ (أشهد أن علياً ولي الـله، وحي على خير الـعمل). وهكذا.. شاءت الاقـدار أن يتخذ قرار تشـييع ايران ملك مـن قبـيلة تركمانية، وأن يعـمّ قراره بلاد فارس بأسرها، وأن يقوم بالـتـنفيذ، وبتحمل أعباء الـمسؤولية: عرب قـدّر عددهم بحوالـي 120 داعية، مـن جبل عامل والـكرك (لبـنان)، والـقطيف والـبحريـن(7).

وقـد تكفّل هذا الـفريق الـعلمائي بمهمّة ترويج الـتشـيّع في ايران، في سياق بـناء جهاز الـدولة وترسيخ شرعيتها، وفي نفس الـوقت تشكيل هويّة قومية لايران. ولا ريــب أن إحالـة الـتشـيع الـى أيديولوجيا قومية سياسية للدولة الـصفوية، أدّى الـى شبه قطيعة مع الـمذهب الـشـيعي نفسه.

وفي حقيقة الامر، أن الـتشـيع الـصفوي لم يرد مـنه سوى تعزيز الـسلطان الـسياسي للدولة الـصفوية، فلم يتجاوز تشـيّع الـشاه اسماعيل (مسائل سطحية استحدثها في عصره أو أحيي مواتها، كاضطهاد أهل الـسنّة وسبّ أعداء الـشـيعة في مخـتلف الـعصور، وتـنظيم الاحتفال بذكرى استشهاد الـحسيـن على الـنحو الـمبالـغ فيه)(8). كل ذلك بغرض تحصيل الاصطفاف الـشـيعي الـجماهيري وكسب تعاطف رجال الـديـن الـشـيعة.

لقـد غالـى الـصفويون في الانـتماء للتشـيع حتى قالـوا بالـقرابة الـقريــبة مـن الائمة، والاتصال الـغيــبـي بهم، وبثّ أحد أتباع اسماعيل شاه بـيـن الـعامة قصّة تقول: أنه أبصر الـشاه اسماعيل في طريقه الـى مكة، بـيـن الـنجف وبغداد، وقـد ألبسه الامام الـمهدي الـتاج الاحمر، فشدّه وعلّق الـسيف في حمائله وقال له: (إذهب فقـد أذنـت لك)!، كما كتب اسماعيل نفسه الـى شـيــبك خان أزبك، أنه إنما ظهر مصداقاً لحديث نـبوي يتـنـبّـأ بظهور رجل مـن فارس مـن نسل محمد ، بل إدعى أنه كان يـنـتهي الـيه هاتف غيــبـي بلا شك ولا ريــب!. وكان اسماعيل يؤكد لأتباعه أنه لم يكن ليتحرك الا بمقتضى أوامر الائمة الاثـني عشر وبتسديد مـنهم، وبموجب هذا الزعم صار معصوماً ليس بـيـنه وبـيـن الـمهدي فاصل(9)، وادّعى اسماعيل أيضاً بأنّه شاهد الامام علي في الـمـنام، وأنه حثّـه على الـقيام واعلان الـدولة الـشـيعية(10).

ويرمي الـشاه اسماعيل من إشاعة مثل هذه الخرافات، إضفاء وشاح مـن الـقـدسية على سلطانه، وهذا يجعله جامعاً لرئاسة الـديـن والـدنيا، وبالـتالـي لم يكن بحاجة الـى اقتسام الـسلطة مع الـعلماء، وهو ما حدث. فقـد جمع الـسلطتيـن الـديـنية والـزمـنية، وإنّ ادماجه الـعلماء في جهاز الـدولة، لم يتجاوز مهمة ترويج الـتشـيع الذي يصب في نهاية لمصلحته السياسية، وكذا الولاية على الامور الـحسبـية.

وبعد موت الـشاه إسماعيل، ورث إبـنه طهماسب 1533 ـ 1576 الـعرش في سن مبكرة، ولم يكن يتجاوز عمره حيـنذاك الـعشر سنوات، فصار أُلـعوبة بـيد أمراء الـقزلباشـية (أصحاب الـقلانس الـحمراء)، وصار نائب الـسلطنة (ديو سلطان روملو) وهو أحد أمراء الـصوفية الـقـدامى، الـحاكم الـفعلي للدولة الـصفوية، فقرّر الـشاه طهماسب حينها الافادة مـن قوة الـعلماء ورجال الـديـن لانـتزاع سلطانه بالـقوة مـن الـقزلباشـية. وكان طهماسب يفتقر الـى الـخصائص الـكاريزمية الـتي توفرت لدى والـده الـمؤسس، ويفسّر د. علي الـوردي الإختلاف بين الإبن والأب بأن الـشاه طهماسب (يخـتلف في تكويـن شخصيته عن أبـيه اخـتلافاً واضحاً. فهو قـد ورث الـملك وحصل عليه جاهزاً، أما أبوه فكان مؤسس الـملك وقائد الـجيوش، وكان بالاضافة الـى ذلك واثقاً مـن أنه رئيس الـديـن والـدولة معاً فلا يحتاج الـى مـن يرشده في ديـنه ودنياه)(11).

حين قرر طهماسب الـتوسّل برجال الـديـن.. كتب رسالـة في 16 ذي الـحجة 939هـ، الـى الـشـيخ نور الـديـن علي بـن عبد الـعالـي الـكركي (870 ـ 940هـ) بالـغ فيها في مديح الشيخ والـثـناء عليه بعبارات غريــبة. جاء في ديباجة الرسالة: (..الـى مـن اخـتص بمـنزلة أئمة الـهدى في هذا الـزمان. ذي الـمـنزلة الـعالـية، خاتم الـمجتهديـن، ووارث علوم سيد الـمرسليـن، وحارس ديـن أمير الـمؤمنيـن، قبلة الاتقياء الـمخلصيـن، قـدوة الـعلماء الـراسخيـن، حجّـة الاسلام والـمسلميـن، هادي الـخلق الـى الـطريق الـمبـيـن، قـدوة أهل الـزمان، مبـيـن الـحلال والـحرام، نائب، الامام ، لا زال كإسمه الـعـالي عليّاً عالـيا، الـذي أظهر مشكلات قواعد الـملّـة بالـقوّة الـقـدسيّة، وتهاوى أمامه علماء كافّة الامصار والاقطار، وأقتبسوا مـن أنوار مشكاة فيض علمه، وخضع له الأكابر والأشراف، وانقادوا لأوامره ونواهيه، ورأوا في اتباع أحكامه نجاة لهم).

واشتملت الـرسالـة على فرمان جاء فيه: (وبهمّة عالـية، ونيّة صادقة، نأمر جميع الـسادة الـعظام، والاشراف الـفخام، والامراء والـوزراء، وجميع أركان الـدولة الاقـتداء بالـمشار الـيه، ويجعلوه إمامهم، ويطيعوه في جميع الامور، ويـنقادوا له ويأتمروا بأوامره ويـنـتهوا عن نواهيه، ويعزل كل مـن يعزله مـن الـمتصديـن للامور الـشرعية في الـدولة والـجيش، ويـنصب كلّ مـن يـنصبه، ولا يحتاح في الـعزل والـنصب الـى وثيقة أخرى).

كما نصّت الـرسالـة على تخصيص خراج قرى عراقية له، وقرر طهماسب له سبعمائة تومان سنوياً.

وقد لـبّى الـكركي دعوة طهماسب فغادر الـنجف، ولماّ قـدم اصفهان مـكّـنه مـن الـملك والـسلطان وقال له: (أنـت أحق بالـملك لأنك الـنائب عن الامام، وإنما أكون مـن عمالـك، أقوم بأوامرك ونواهيك)(13)، ونحل طهماسب الشيخ الكركي مـنصب (شـيخ الاسلام)، أي قاضي الـقضاة، ولقّبه بـ (نائب الامام) ليحيل الـى رتبة سياسية رفيعة، ومـنحه صلاحيات واسعة في ادارة شؤون الـبلاد الـسياسية والاجرائية(14). وهكذا قوّى نفوذَ الـكركي ما حمله على الانـتصار للدولة، والـدعوة لها، والـتأليف في وجوب طاعتها، وربما ذهب الـى أبعد مـن ذلك، مما أثار عليه بعضاً مـن رجال الـديـن، وفي مقـدمتهم الـشـيخ ابراهيم الـقطيفي (ت 944هـ)(15).

وبموجب الـفرمان، سلك الـشاه طهماسب مساراً مخـتلفاً عن والـده الـشاه اسماعيل، بتدشـيـنه اكليروس دولة، يؤسس لنوع مـن الـتوازن الـداخلي في الـدولة، مبـني على تقاسم الـسلطة، وإشراك الـديـني في الـسياسي.

مشروعيّة السلطة
 

سنجد أنفسنا في ضوء هذا الـتحوّل في سيرورة الـدولة الـصفوية، أمام امتحان عسير يـنافح الاتجاهان الفكريان الشيعيان الاخباري والاصولي (*) مـن أجل إجتيازه، ممثلا في مشروعية الـدولة الـقائمة في عصر الـغيــبة . وهذا الامتحان الذي يمتد الـى نقطة بداية انشعاب حركة الـفقه الـشـيعي مـنذ الـقرن الـرابع الـهجري الـى اتجاهيـن: اخباري، وأصولي، يستدعي معه تراثاً ثقيلا مـن الـسجالات الـفقهيّة الـحادّة، وصولا الـى الـدولة الـصفوية في الـقرن الـعاشر الـهجري.

ويسترعي هذا الاستدعاء ملاحظة الـتبدلات الـعمودية الـتي شهدها موقع الـفقيه في الـحقل الـسلطاني. ونستحضر هنا ثلاثة نماذج بارزة في الـتاريخ الـشـيعي بعد (الـغيــبة) ممثلة في: (الـعلامة الـحلي والـسلطان الـمغولي الـجايتوخدابـنده)، و(الـشـيخ زيـن الـديـن الـعاملي الـمعروف بالـشهيد الاول بسلطان الـدولة الـسربدارية ابـن الـمؤيد) ، و(الـشـيخ الـكركي بالـسلطان الـصفوي طهماسب).

في نموذج الـحلي ـ الـجايتوخدابـنده كان دور الـفقيه مـنحصراً في الـحيّز الارشادي الـتبليغي، وفي نموذج الـعاملي ـ ابن الـمؤيد، اكتسب الـفقيه صفة الـمفتي، أما الـنموذج الـثالـث الـكركي ـ طهماسب فقـد احتلّ الـفقيه موقع الـنيابة الـعامّة عن الامام والـمشرّع للسلطة.

ويشكّل نموذج الـكركي ـ طهماسب مـنعطفاً تاريخياً في حركة الـفقه الـسلطاني الـشـيعي، فلأول مرّة يتقلّد الـفقيه مـنصب الـنيابة الـعامة عن الامام الـمهدي، ويصل الـى أعلى نقطة في الـهرم الـسياسي، وهذا الـمـنصب يخوّله الـتشريع في الـحقل الـديـني، ويلزمه مهر الـسلطة الـصفوية بالـمشروعية الـديـنية، بمعنى أن يصبح الـفقيه الـمصدر الـرئيسي لاضفاء الـشرعية على الـسلطة، وهذا بكلمة مكثفة يتطلب خروجاً على الاجماع الـشـيعي الـفقهي في كثير مـن الـموضوعات والـتي تلتقي عند (عقيدة الانـتظار) وتالـياً سيكون الـكركي عرضة لهجمات الـمتمسكيـن بشدّة بعرى الاجماع ذاك.

يكشف عن ذلك تموجات قرار الكركي بتعييـن إمام في كلّ مديـنة لاقامة صلاة الجمعة، وهو ما يؤسس لأول (اكليروس) شـيعي يشكّل فيه الفقهاء الشـيعة العرب النواة الام، ويمدّ الدولة الصفوية بأسباب القوة والاستقرار والاصطفاف الشعبـي، وقـد أثار هذا القرار حفيظة طائفة مـن فقهاء الشـيعة الذيـن يحرمون إقامة (صلاة الجمعة) في عصر الغيــبة. ونفس الشـيء يقال عن إجازة الكركي لجباية الخراج في زمـن الغيــبة، وهو مـن الموضوعات الخلافية في الفقه الشـيعي، وإن إقراره من قبل الكركي من شأنه تزويد الدولة برافد مالي كبـير. وتـنضاف الى ذلك كله تعليمات الكركي بالتوقف عن ممارسة (التقيّة) بعد أن أصبح الشـيعة يستظلّون بظلّ الدولة الصفوية الشـيعية.

جدير بالتـنويه هنا، أن الكركي أقام في النجف الاشرف بالعراق سنة 909هـ، ثم انـتقل الى ايران وشغل مـنصب شـيخ الاسلام في أصفهان زمـن الشاه اسماعيل الصفوي، ثم عاد الى العراق سنة 916هـ إثر نشوب خلاف بـيـن الكركي والصفوييـن، واستقرّ في النجف قرابة أربعة وعشريـن عاماً، قبل أن يعود ثانية الى ايران في زمان الشاه طهماسب، حيث تلبّس بالعمل السلطاني، واكتسب وعياً فعّالا يؤهله لتقـديم اجتهادات ذات اعتبارات واقعية، وإن دمغ الكركي للسلطة الصفوية بالمشروعية الديـنية، انعكس في مراحل لاحقة في سجالات فقهية أوسع نطاقاً.

وتقـدّم السجالات الفقهية التي كانـت دائرة بـيـن الشـيخ ابراهيم القطيفي (ت 951هـ) والشـيخ علي بـن الحسيـن بـن عبد العالي الكركي (868 ـ 940هـ / 1462 ـ 1534م) مثالاً حيوياً على إشكالية الشرعيّة التي طرحت بدرجة أكبر في ظلّ الدولة الصفوية. وتعكس طبـيعة التشابكات الفقهية المعقـدة في تلك الفترة النظرة المذهبيّة لوجود الدولة الصفوية، كما تكشف في ذات الوقت عن الخلاف المتصاعد بين خطّيـن فكريين تاريخييـن عريضيـن في المذهب الشـيعي الامامي: الاخبار والاصول. فالتشـيّع التاريخي يعتبر ظاهرة احتجاجيّة على الدولة غير المتحدرة مـن أهل البـيت، وكان الموقف الاصلي مـن السلاطيـن كما يعبّر عنه الشـيخ يوسف البحراني، يقول بـ (حرمة الدخول في أعمالهم على أوكد وجه، بل مجرد محبتهم والركون اليهم وحب بقائهم، فضلا عن مساعدتهم وإعانـتهم بالاعمال) (16).

وابراهيم القطيفي الذي هاجر عام 913هـ مـن مسقط رأسه القطيف في شرقي الجزيرة العربـية الى النجف الاشرف، كان شريكاً في درس الشـيخ علي بـن هلال الجزائري مع الشـيخ عز الديـن الآملي، والشـيخ علي الكركي، وساهم في حركة ترويج التشـيّع في ايران وكتب في هذا الصدد رسالة (الفرقة الناجية)، إلاّ أن مساهمته لم تصل الى حدّ التماهي في السلطة الصفوية.

ورغم تأثر القطيفي بطريقة اجتهاد الكركي، الا أنه لم يقتف سيرته في الفقه، بل كأن أميّل الى مدرسة الاخبار، كما أن آراءه الجريئة والحادة(17) ضدّ معاصره الكركي تزجّه في دائرة الاخبارييـن. من ذلك مخالفته للكركي في التماهي مع السلطة الصفوية ومنحها الشرعية، فقد كان القطيفي ضدّ ذلك، إضافة الى تحريمه صلاة الجمعة في عصر الغيــبة مطلقاً وحرمة جباية الخراج. ويبدو أن القطيفي كان جريئاً في معارضته للكركي، فكانـت المـناظرات تثور بـيـنهما بصورة متصلة، سيما حيـن يتعلق الامر بالاحكام السلطانية الشـيعية.

ويصدر القطيفي في مـناظراته عن (عقيدة الانـتظار) للإمام المهدي، كما استقرت في التراث الشـيعي، ويضعها أساساً متيـناً في بـنية الخطاب السلطاني الشـيعي، ولذلك قاطع الصفوييـن، ورفض عروضهم. ويذكر الاصبهاني في (رياض العلماء) (أن الشاه طهماسب بعث الى الشـيخ ابراهيم القطيفي جائزة (=هدية) وكان حيـنذاك في النجف، وتوافق مع وجود الشـيخ الكركي هناك قبل رحيله الى ايران تلبـية لدعوة الشاه طهماسب، فرفض القطيفي قبول الجائزة وردّها، واعتذر عن ذلك بأنه لا حاجة له في أخذها، فردّ عليه الشـيخ الكركي بأنك أخطأت في ذلك الرد، وارتكبت إمّا محظوراً أو مكروهاً، واستدلّ على ذلك بالقول بأنّ مولانا الحسن قد قبل جوائز معاوية، ومتابعته ـ أي الإمام الحسن ـ والتأسي به إمّا واجبة أو مـندوبة، وتركها إمّا حرام أو مكروه، كما تحقق في الاصول. وهذا السلطان لم يكن أنقص درجة مـن معاوية، وأنـت لم تكن أعلى رتبة مـن الحسن)(18). وقـد تشـي هذه الحادثة ظاهراً بتعريض الكركي مـن طرف خفي بالسلطان الصفوي مـن خلال المقارنة بـيـن طهماسب ومعاوية بوصفه إنموذجاً للسلطة الغصبـيّة في الوعي الشـيعي التاريخي، ويمكن حمل هذه المقارنة على طبـيعة وحدود التـناظر وطرفيه، خصوصاً وأن الكركي يسعى مـن خلال المقارنة، التوسّل باستدلالات مورد قبول الخصم واقناعه بها.

وبالرغم مـن ذلك لم يتزحزح القطيفي عن موقفه(19) الذي ثبّته في رسالته في الخراج، والتي انـتهى مـن تصنيفها سنة 1109هـ، حيث قال ما نصّه: (متى تمكّن الانسان مـن ترك معاملة الظالميـن، والامتـناع مـن جوايزهم، كان الأولى له ذلك، لما فيه مـن التـنزّه). وقال أيضاً: (فلا شك عند أهل الله، أن مـن الورع تجنّـب جوايز الظالم، وانكار ذلك جهل)(20).

ونستدعي هنا رأييـن لفقيهيـن، يـنـتمي أحدهما للاتجاه الاصولي، والآخر للاتجاه الاخباري، وذلك لتبـيان موقفهما مـن (هدايا السلطان). فقـد ذكر الفقيه الاصولي إبـن ادريس الحلي في (السرائر في تحرير الفتاوى) في باب عمل السلطان، بشأن جوائز السلطان الجائر: (اذا كان الامر في التقية، جاز له ـ للمتولي ـ في سلطانه قبول جوائزه، وصِلاته، ما لم يعلم أن ذلك ظلم بعيـنه، فاذا لم يعلم أنه بعيـنه ظلم، فلا بأس بقبوله، وإن كان المجيز له ظالماً، ويـنـبغي له أن يخرج الخمس مـن كل ما يحصل مـن ذلك، ويوصله الى أربابه ومستحقيه، ويـنـبغي له أن يصل أخوانه مـن الباقي بشـيء، ويتصرف هو في مـنافعه بالبعض الذي يــبقى مـن ذلك)(21).

وعلى الجانـب الاخباري، قال الشـيخ يوسف البحراني: (لا اشكال ولا خلاف في حلّ جوائز السلطان وجميع الظـَلـَمـَة، على كراهية، ما لم يخبره بأن ذلك مـن ماله، فإنه لا كراهة) (22).

على أن قراءة الموقف المتشدّد لدى القطيفي مـن هدايا السلطان، لا تتم خارج سياق جزئية صغروية، وإنما عبر سياق كليّة كبروية، تحيل الى نفي مشروعيّة السلطة الصفوية، فالقطيفي لم يرفض الهدية لذاتها، وإنما كون قبولها يستبطن الاقرار بمشروعية السلطة، وهو ما يرفضه.

في المقابل، يرد احتجاج الكركي الى حقيقة سعيه للانفصال عن (تاريخانية) الفقيه الشـيعي، والتخلي عن الترسيمة الفقهية التقليدية، فراح يتماهى في الواقع بوعي جديد للتاريخ والتراث الشـيعييـن، لا على طريقة القطيفي الذي يــبلغ به التماهي في الماضي حد الخضوع التام، والتوسل به لتعليل واقتفاء الحوادث التاريخية والمواقف الفقهية.

إن وعي الانشعاب (اخباري، اصولي) وإن كان مرتكزاً على قاعدة فقهية، الا أن الايغال فيه يساعد على الاحاطة شبه التامة بـبـنية كل اتجاه، وخطابه، وآلياته النشطة، مقترناً بعوامل الزمـن، والمكان، والموضوع. فأول ما يتبدى مـن الاتجاه الاخباري، أنه لم يجنح الى تبديل وتيرته ونسقه التاريخي والفقهي، بل ظل يكرر ذاته على الدوام، محتفظاً بذاكرة فقهية ساكنة، تتـنشط في حالات انكسار خصمه الاصولي، فيما كان الاتجاه الاصولي خاضعاً أو على الاقل قابلا للتبدّل، فهو في حالة تجديد متواصل لسيرورته، بفعل توسّله بوسائط عقلية، تجيز له اسقاط وعيه الخاص على النص الديـني، وتؤهله لانـتاج أو تطوير أحكام ومعارف ديـنية، ما يحمله على التماهي في الواقع، في مقابل استقالة الاتجاه الاخباري، وتلاشـيه في الماضي. ووفق هذا التكثيف الشديد لطبـيعة التمايز بـيـن الاتجاهيـن الاخباري والاصولي، يمكن رصد مجرى وطبـيعة السجالات الفقهية بـيـن القطيفي والكركي.

لقـد دخل القطيفي في سجالات فقهية ضد الكركي حتى قيل بأن اكثر الايرادات التي أوردها القطيفي في بعض رسائله كانـت للرد عليه(23)، وتـنهض مسألة صلاة الجمعة في عصر الغيــبة مثالا بارزاً في هذا الصدد، كونها تمثل أحد أوجه الخلاف بـيـن الاخبار والاصول.

لقـد كان الاجماع الشـيعي تاريخياً قائماً على اعتبار أن صلاة الجمعة واجبة في حضور الامام المعصوم أو نائبه الخاص. وهنا، يمكن الافادة مـن الموقف من إقامتها في اخـتبار موقف الفقيه مـن السلطة . ومـن نافلة القول، أن مجرد قراءة استقصائية في المصنفات الفقهية الشـيعية تظهر أن ثمة معايير أساسية لاخـتبار مشروعية الدولة وهي: الحدود، الامر بالمعروف والنهي عن المـنكر اذا تطلب الجرح والقتل ، والجهاد الابتدائي، وصلاة الجمعة ، وقـد يـنضاف اليها الخراج أحياناً . وقـد أجمع فقهاء الشـيعة القدماء على اعتبار هذه الموضوعات مـن خصوصيات الامام المعصوم ، التي لا يجوز لغيره القيام بها، في وقت لم تطرح فيه نيابة الفقيه عن الامام الا في مورد استثـنائي ، وفي باب الحدود فحسب، في حالة الاكراه، أي اكراه السلطان للفقيه على تولي تطبيق الحدود.

النيابة العامة للفقيه
 

لم يصمد الاجماع الفقهي الشـيعي طويلا، فقـد تعرّض للخرق مـن جانـب الاتجاه الاصولي في سياق تحوّل فقهي عميق في النصف الثاني مـن القرن السادس الهجري، على يد علي بـن زهرة الحسيـني الحلبـي المعروف بابن زهرة (ت 585هـ) ، ومحمد بـن مـنصور بـن ادريس الحلبـي ت 598 هـ ، وكانـت ثمرة الخرق: تمركز العقل في عملية التشريع ، بحيث أفضى الى تحطّم التراتبـية التاريخية للفقه الشـيعي، مما سهّل الطريق الى التحرّر مـن قيود الاطار الفقهي التقليدي، مؤسساً على سعة النيابـية (= نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم) التي تحققت في هذه الحقبة على يد ابـن زهرة وابـن دريس، اللذيـن قرراً ابتداءً ولاية الفقيه على القضاء، بإبعاد شرط وجود الامام، بل كاد ابـن دريس أن يقول بالولاية المطلقة للفقيه واحتواء صلاحيات الامام المعصوم حين قال: (فالصحيح مـن أقوال طائفتـنا، وذوي التحصيل مـن فقهاء عصابتـنا ، لا يفرقون بـيـن الحدود وبـيـن غيرها مـن الاحكام الشرعيات، في أن للحاكم النايــب مـن قبل الامام أن يحكم فيها بعلمه ، كما أن للامام ذلك، مثل ما سلف في الاحكام التي هي غير الحدود، لأن جميع ما دلّ هناك هو الدليل ها هنا) (24).

وقـد أثمرت حملة ابـن زهرة وابـن ادريس في تـنشـيط الوعي الاصولي، ومهّدت لنـبوغ رجال فقه مجدديـن، ابتكروا آليات عقلية متطورة في وعي النص والتفريع عليه، وقـد أرست الحملة أساسات مدرسة أصولية نشطة في مدينة الحـلّـة، التي تحولت الى مركز تأهيل للفقهاء لجهة الانخراط في الحقل السلطاني، كما تخبر عن ذلك سيرة العلامة الحلي ، وأحمد بـن المتوج البحراني، والشهيد الاول الذي نسج على مـنوال مدرسة الحلّة في تدشـيـن حوزة علمية في جبل عامل ، وخرّجت فوجاً من العلماء بقيادة الشـيخ الكركي، الذيـن قـدموا الى ايران لتشكيل أول مؤسسة ديـنية (رسمية) في التاريخ الشـيعي .

تمظهرات النيابية
 

1- صلاة الجمعة

يـندرج الكركي في جملة الفقهاء الاصولييـن، القائليـن بـنيابة الفقيه عن الامام المعصوم، رغم ما تثيره النيابـية مـن غموض، مـنظوراً الى أن أول مرة طرحت فيها النيابة العامة في العهد الصفوي كانـت في الرسالة التي وجهها الشاه طهماسب الى الكركي يطلب مـنه القـدوم الى أصفهان، فيما لا تشير المصادر التاريخية الى مدى وعي الشاه طهماسب بمسألة النيابة العامة، أو حجم تداولها في الوسط الفقهائي الشـيعي.

وعلى أية حال، فقـد ثبّت الكركي موضوع النيابة العامة (بايثار)؟؟؟ في رسالة (في صلاة الجمعة) التي صنّـفها سنة 921هـ، فأفتى بوجوب صلاة الجمعة وإقامة الحدود، تأسيساً على أن (الفقيه العدل الامامي الجامع لشرائط الفتوى، المعبّر عنه بالمجتهد في الاحكام الشرعية، نائب مـن قبل ائمة الهدى صلوات الله عليهم في حال الغيــبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل)(25)، ويؤسس على تلك النيابة حكماً يـنص على أن (الفقيه المأمون الجامع لشرايط الفتوى، مـنصوب مـن قبل الامام وبهذا تمضي أحكامه، ويجب مساعدته على اقامة الحدود والقضاء بـيـن الناس. لا يقال الفقيه مـنصوب بالحكم والافتاء والصلاة أمر خارج عنها لأنا نقول هذا في غاية السقوط، لأن الفقيه مـنصوب مـن قبلهم حاكم كما نطقت به الاخبار)(26).

ورغم ما قـد يلمح اليه التردد مـن جانـب الكركي في حسم الفتوى لصالح الوجوب لا التخيير، على أنه تـنازل فقهي للقطيفي، بالنظر الى أن رسالة الكركي ليست سوى شرحاً لرأي الشهيد الاول (زيـن الديـن العاملي) بوجوب إقامة صلاة الجمعة عيـناً، تأسيساً على النيابة العامة للفقيه(27)، الا أن مجرّد القول بالوجوب يرمز الى تحوّل هام في سياق التأسيس الفقهي للنيابة السلطانية للفقيه، كما يحمل دلالات سياسية هامة في سياق علاقة الفقيه بالسلطان، ويقرر ابتداءً بشرعية السلطة. ومهما يكن فقـد أثار رأي الكركي بوجوب صلاة الجمعة حفيظة القطيفي، أحد القائليـن بحرمة صلاة الجمعة في زمـن الغيــبة، فصنّف الأخير رسالة رد على الشـيخ علي الكركي، ويـندك هذا التعارض في الموقف مـن السلطة الصفوية ايضاً، فالقول بالحرمة يقتضى نفي مشروعيتها بـيـنما القول بالوجوب العيـني أو التخييري، يـنطوي على احتمالات اقرب الى القول بمشروعيتها، وفي حالة الكركي فإن القول بالوجوب التخييري يستلزم الاعتقاد بمشروعية السلطة الصفوية.

وبـيـنما يـنطلق القطيفي مـن خلفية نصوصية محضة في تحريمه لصلاة الجمعة، والنافية لأية ولاية لغير الامام أو نائبه الخاص، وحرمة إقامة الدولة في عصر الغيــبة، يـنطلق الكركي مـن قاعدة اجتهادية عقلانية يتمثل على أساسها مبدأ النيابة العامة للفقيه عن الامام، والتي ستؤسس أي النيابة العامة مـن الآن مكانة الفقيه في الدولة، وستهيىء بالتأكيد للكركي وضعاً أفضل مما كان عليه وضعه في زمان الشاه اسماعيل الصفوي، فهو سيعود نائباً عن الامام المهدي الذي يمـنح سلطان الزمان شرعية الحكم.

2 - الخراج

يمضي السجال بـيـن القطيفي والكركي ليشمل موضوعة الخراج التي تدخل حسب الاجماع الفقهي الشـيعي في خصوصيات الامام المعصوم، ولكن الكركي يفوّض الفقيه النائب العام عن الامام صلاحية التصرف في الخراج(28) بما يجيز له نقل هذه الصلاحية الى السلطان الحاكم بالنيابة عن الفقيه.

وكان الكركي قـد صنّف رسالته (قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج) في ربـيع الآخر 916هـ، أي بعد نزوحه مـن ايران الى العراق قبل أن يرسل طهماسب في طلبه لتولي النيابة العامة. ويشرح الكركي سبـب تأليف الرسالة بقوله: (أنا لما ألزمـنا الاقامة بـبلاد العراق، وتعذّر عليـنا الانـتشار في الآفاق، لأسباب ليس هذا محل ذكرها، لم نجد بداً مـن التعلق بالغربة لدفع الامور الضرورية مـن لوازم متممات المعيشة، مقتفيـن في ذلك أثر جمع كثير مـن العلماء، وجمع غفير مـن الكبراء والاتقياء، اعتماداً على ما ثبت بطريق أهل البـيت عليهم مـن أن أرض العراق ونحوها مما فتح عنوة بالسيف، لا يملكها مالك خاص، بل للمسلميـن قاطبة، يؤخذ مـنها الخراج والمقاسمة، ويصرف في مصارفه التي بها رواج الديـن، بأمر إمام الحق مـن أهل البـيت عليهم، كما وقع في ايام امير المؤمـنيـن عليهم. وفي حال غيــبته ـ عليه السلام ـ قـد أذن أئمتـنا ـ عليهم السلام ـ لشـيعتهم في تـناول ذلك مـن سلاطيـن الجور(29)، واحتساب ذلك حلالا باسم الخراج أو المقاسمة)(30).

ويتمثل الكركي في تحليله الخراج أو المقاسمة مقابل التحريم، ما ورد في صحيحة الحذاء، عن الامام محمد بـن علي بـن الحسيـن أبـي جعفر (عن الرجل يشتري مـن عمال السلطان مـن إبل الصدقة، ويأخذ أكثر مـن حقّه. فقال الامام بأن الابل والغنم كالحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعيـنه فيجتـنـب، ثم حصر السائل السؤال في الحنطة والشعير: فما ترى في الحنطة والشعير، يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا ويأخذ حظّه، فيعزله بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام مـنه؟ فقال: إن كان قـد قبضه بكيل وانـتم حضور، فلا بأس بشرائه مـنهم بغير كيل).

وفي سياق وعي جديد للتجارب التاريخية، تمثّل الكركي أحوال علماء الشـيعة الماضيـن مثل (الشريف المرتضى) الذي (كان في بعض دول الجور ذا حشمة عظيمة، وثروة جسيمة وصورة معجبة، وأنه قـد كان له ثمانون قرية، والشريف الرضي وكان له ثلاث ولايات، ونصير الديـن محمد بـن محمد الطوسي كان المتولي لاحوال الملك، والقائم بأعباء السلطنة.. وجمال الديـن ابـي المـنصور الحسن بـن المطهر، المشهور بالعلامة الحلّي، كان له عدة قرى، وكانـت شفقات السلطان وجوائزه واصلة اليه)(31).

وقـد رفض القطيفي ما ذهب اليه الكركي في رسالته جملة وتفصيلا، وما اقام عليه حكمه مـن أدلّـة، وصنّف رسالة للرد عليه بعنوان: (السراج الوهّـاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج) انـتهى مـن تصنيفها سنة 919هـ، وقد اشتملت على خمس مسائل: حرمة كتمان العلم والفقه، وذمّ أتباع السلطان مـن العلماء، ومدح مـن أعان طالب العلم وذم مـن آذاه، ومدح العالم العامل وذمّ التارك للعمل، وفي الحيل الشرعيّة، وضمّـنها رأيه في تحريم الخراج في زمـن الغيــبة، وقال بـ (زيف جميع ما في الرسالة ـ أي رسالة الكركي ـ مـن أدلة الجواز).

وجاء ردّ القطيفي عنيفاً، ففي قول الكركي بالتصرّف في المفتوحة عنوة إنما يكون بإذن الامام، وقـد حصل الاذن مـنهم لشـيعتهم حال الغيــبة، قال القطيفي: (إن هذا الكلام في نهاية الركاكة والسقوط عن درجة الاعتبار.. وذلك أن مطلوب المؤلف كما هو ظاهر مـنه صريح، أن التصرف بالبـيع ونحوه تبعا للآثار، إنّـما يصحّ زمان الغيــبة، فلا يصح إثباته إلاّ بأمريـن: الصحّة مع الغيــبة وعدم الصحة لا معها، وكلامه هنا دلالته على الصحّة زمـن الغيــبة، فلا يصح دليلا على المدعى على أن المقصود بالذات تخصيص الصحة بزمـن الغيــبة، لأن الصحّة قـد ثبتت على جهة العموم.. والصحة لا تتوقف على إباحة الاذن، فلا مدخل لتوسّط قوله أن التصرّف إنّما يكون بإذن الامام، فهذا الكلام عن التأمل لا حقيقه له)(32).

وفي ضوء استعادته لما قرره الكركي: أن العراق فتحت عنوة، وما يترتب عليها مـن آثار عمليّة، يلتزم القطيفي في ردّه نسقاً تبديدياً يهشّم عبره توسلات الكركي وطرقه الاستدلاليه، ويــبطل مفعولها، ثم يذهب الى أقصى مدى تصل اليها طاقته الاستدلالية ليثبّت على انقاضها وعياً تقوياً، يخرج التـناظر مـن إطاره العقلي، ويقحمه في دائرة غيــبوية تبقي التـناظر في حالة تعادل. يقول: (لا خلاف في كونها ـ العراق ـ فُـتحت بالسيف في الجملة، على معنى أن فتحها لم يكن بالصلح، ولا بهرب أهلها وتسليمها، ولا بإسلامهم طوعاً بل بالمحاربة، فهو حق اليقيـن، لأنه مـن المتوارث، لكن لا يجديه ـ أي الكركي ـ في مطلوبه نفعاً، وإن أراد مـنها بحكم المفتوحة عنوة على معنى أن عامرها للمسلميـن، وغامرها للامام. فهو معلوم البطلان، إذ الخلاف متحقّق، بل لو شئت أن أقول لا خلاف في كونها مـن الانفال، لأنها غنيمة الغازي بغير إذنه ـ أي الإمام ـ فيكون مـنها نقلت، وما يوجد مـن بعض الروايات فهو محمول على التقية)(33).

كما نقـد القطيفي تمثّل الكركي بأحوال علماء الشـيعة السابقيـن: المرتضى، الحلي بقوله أنهم لم (يخبروا أحداً أنهم أخذوا القرية الفلانية أو قرية ما لغيرهم، تعلقوا بها لامر السلطان لهم بذلك، حتى يثبت استشهاده، أما مجرد أن يكون لهم قرى وأموال ونحو ذلك، لا يدل على أنهم فعلوا كمثل فعله ليصح استشهاده، فهذا ايضاً مزيف)(34).

واجمالا، يــبلوّر السجال الفقهي بـيـن القطيفي والكركي ، اطارات بحثية تمهد السبـيل لانطلاقة فقهية جديدة، وتفتح الباب واسعاً يدخل مـنه فقهاء الفريقيـن لاثراء البحث الفقهي السلطاني، عبر مـناظرات واسعة النطاق. فالموضوعات الخلافية بـيـن القطيفي والكركي غدت مطلباً ملحاً في البحث الفقهي الشـيعي، كما أججت في طريقها الميول الكامـنة لدى الفقيه في سبر أغوار موضوعات فقهية ذات حساسية عالية، كانـت فيما مضى مقفلة في وجه الفقيه، لخضوعها المطلق لمـنطق الاجماع الفقهي التام.

وهذا على وجه التحديد ما حصل لدى الجيل التالي، فبالرغم مـن انصراف عدد مـن علماء الاتجاه الاصولي عن التماهي في السلطة الصفوية، بسبـب امتهان الفقيه، وتدهور مكانـته في العهود الصفوية اللاحقة.. الأمر الذي أفضى الى نشوء ظاهرة فقهاء البلاط، وخصوصاً في عهد الشاه عباس الصفوي، حيث أضحى الفقهاء (أُلعوبة بـيده، وكانـت سياسته تذهب باتجاه الالتفاف على الدولة العثمانية مـن خلال اقامة علاقات مباشرة مع الدول الاوروبـية والبابوية وشركة الهند الشرقية، مع إمعانه في استخدام الطقس الديـني لكسب عواطف الناس واسكات الفقهاء)(35).

أقول بالرغم مـن ذلك، الا أن العلماء مثّلوا الاحتياطي الاستراتيجي للفقه الامامي التجديدي، ونخص بالذكر الشـيخ زيـن الديـن الجبعي العاملي، المعروف بالشهيد الثاني (ت 965هـ). فقـد رفض الانضواء تحت لواء الصفوييـن رغم المكاتبات التي جرت بـيـن الطرفيـن، وربما اقتفى سيرة مثله الأعلى: الشهيد الاول مع ابـن المؤيد في الدولة السربدارية، الا أن تصنيفات الجبعي العاملي الفقهية، حملت مـن الدلالات الكافية على إمكانيّة تولّي الفقيه الأمور بالنيابة عن الامام، إذ قال الشهيد الثاني ما نصّه: (إن الفقيه، نائب الامام عليه السلام، ومـنصوبه). وضمّـن هذا الرأي في كتبه الفقهيه (روض الجنان، والروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقية، ومسالك الافهام في شرح شرائع الاسلام). ولكنه اشترط حيازة الفقيه على شرائط الفتوى. كما كتب في سنة 962هـ رسالة في وجوب صلاة الجمعة، أو رسالة في الحث على صلاة الجمعة(36).

وفي السياق نفسه، يأتي الشـيخ أحمد بـن محمد الاردبـيلي، المعروف بالمقـدس الاردبـيلي (ت 993هـ) وكان من سكنة النجف ومعاصراً للشاه عباس الصفوي الكبـير، الذي أصّر على مجيء الاردبـيلي الى صفهان، فلم يستجب الأردبيلي له. ويذهب الشهيد مرتضى المطهري في نتائج رفض الشهيد الثاني والاردبـيلي لدعوات الشاه الصفوي بأن (إباء المقـدس الاردبـيلي عن الذهاب الى اصفهان كان السبـب في إحياء صورة النجف الاشرف بعنوان مركز علمي آخر للشـيعة بعد أصفهان، كما أن امتـناع الشهيد الثاني وابـنه الشـيخ حسن، صاحب المعالم، وسبطه السيد محمد، صاحب المدارك، عن الرواح مـن الشام وجبل عامل الى أصفهان، كان هو السبـب في دوام تلك الحوزة هناك، وعدم انقراضها)(37).

وقـد رفض هؤلاء العلماء أنفسهم الذهاب الى مدينة مشهد بمقاطعة خراسان حيث مثوى الامام الرضا، مخافة الاضطرار الى ما دعاهم إليه الشاه عباس، الذي سعى بصورة جديّة الى تعزيز سلطانه السياسي، وبـناء مركزيّة صارمة مستعيناً بالتحالف مع الغرب، كتعويض عن ضعف تحالفه الداخلي مع رجال الديـن. والحقيقة أن الشاه عباس أراد تفكيك ذلك التحالف بعد تعاظم نفوذ رجال الديـن في الدولة، مؤسساً على تبدلات جد عظيمة في الحقل الفقهي السلطاني، وتعاظم المخاوف التي تثيرها هذه التبدلات على السلطة الصفوية، كما نجدها شاخصة في بحوث الاردبـيلي الفقهية.

فقد كان الأخير من المؤمـنيـن بـنيابة الفقيه عن الامام، بل يذهب في تقرير هذه النيابة الى أبعد مـن ذلك، باسقاطه إذن الامام المعصوم في القتل والجرح، وفي الامر بالمعروف والنهي عن المـنكر، واقامة الحدود. ويخصّ الاردبـيلي الفقيه بتولي الخراج، في مقابل فتواه بحرمة إعطاء الزكوات والخراج للسلطان. وكاد أن يحذو حذو الشهيد الثاني في وجوب صلاة الجمعة عيـناً في عصر الغيــبة، لولا تعثّره بإجماع فقهاء الشـيعة الماضيـن بعدم الوجوب، فأخذ بالوجوب التخييري بـيـن الجمعة وصلاة الظهر(38).

وعلى أساس القول بالنيابة العامة، عضّد المحقق الاردبـيلي رأي القطيفي، في حرمة ولاية السلطان على الخراج، وألّف رسالة قوّى فيها موقف القطيفي وضعّف أقوال الكركي، ولكن تعضيد الاردبـيلي يـنطلق مـن مبدأ النيابة العامة للفقيه، كما ذهب الى ذلك ايضاً الشـيخ الانصاري الذي أورد خلاف القطيفي والكركي في كتابه (المكاسب) وقال: (لا يجوز اعطاء الزكوات والخراج والمقاسمة للسلطان الجائر مع التمكّن، لأنه غير مستحق، فيسلم الى العادل، أي الامام المعصوم أو نائبه الخاص المـنصوب مـن قبل الامام عليه السلام، لخصوص أخذ الخراج، أو العام أي الفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيــبة، ومع التعذّر يتولّى صرفه في المصالح حسبة)(39).

وهكذا يتصل البحث الفقهي السلطاني بوتائر متسارعة، ويـنداح في مراحل لاحقة في تـناظرات رفيعة المستوى، في سياق تكامل عقل الفقيه، عبر رحلة طويلة وشاقّة في سبـيل البحث عن الذات. وسيــبدأ مع عصر النراقي (ت 1254هـ) المؤسس الاول لولاية الفقيه المطلقة، بداية قطيعة فقهية ومعرفية مع السياق التاريخي للفقه الشـيعي، لتدشّن مرحلة جديدة يحقق الفقيه ذاته مـن خلالها.

وهكذا سنجد تجدد المعارك الفقهية بـيـن (الاخبارية والاصولية) في العهد القاجاري، وسيظهر أقطاب الاصولية استبسالا مشفوعاً بالثقة العالية، بعد أن اجتاز الفقيه الاصولي حصراً عقبات كأداء في الفقه السلطاني الشـيعي، فهو يشعر الآن بالتحرر مـن أسار الاجماعات الفقهية التي خرقها الفقهاء الاصوليون في زمـن الدولة الصفوية، فلم تعد موضوعة صلاة الجمعة دافعاً رئيسياً مـن دوافع الخصام الفقهي، فهي لا تمثل الآن موضوعاً خلافياً حاداً، بالنظر الى التطبـيع الفعّال الذي مارسه الاصوليون بدعم الصفوييـن والقاجارييـن، سواء في ايران أو البحريـن، حيث كانـت تقام صلاة الجمعة على نطاق واسع، الامر الذي أبطل مفعول الرأي المخالف. ونفس الشـيء يقال عن اقامة الحدود، والامر بالمعروف والنهي عن المـنكر، والى حدّ ما الجهاد في عصر الشـيخ جعفر كاشف الغطاء، ولذلك كان الانـتقال الى مستوى النيابة العامة للفقيه، مستبطناً بشكل تلقائي تفكيك المفهوم التاريخي للغيــبة.

وهنا تبرز المفارقة التاريخية الحاسمة، فالغرض مـن نيابة الفقيه عن الامام حيـن طرحت لأول مرة، كان: شرعنة السلطة أولاً وتبرير ممارساتها، وفي نفس الوقت شرعنة اندماج الفقيه في جهاز السلطة السياسية، ولكن النيابة تطوّرت في مرحلة لاحقة لولاية الفقيه السلطانية، فكان تمدّد النيابة وتوسّعها اجتياحاً للسلطة، وصولا الى الانفراد بها من قبل الفقهاء.

وبكلام آخر، فأن النيابة في صيرورتها النهائية، نقلت الفقيه مـن مستوى الشراكة الى مستوى الإنفراد بالسلطة بوصفه المؤهل الشرعي الوحيد لمزاولة مهامها، تأسيساً على مقتضى النيابة العامة، بما يحيل سلطة غير الفقيه الى مجرد سلطة دنيوية محضة، أي غير شرعية، وهذا مورد شبه اجماع فقهاء الشـيعة المعاصريـن. وهنا ايضاً يلتقي الاتجاهان الاخباري والاصولي عند نقطة واحدة: نزع مشروعية الحكومات القائمة، ولكن مـن مـنطلقيـن متـنافريـن، فالاخباري يـنطلق في نفي مشروعية الحكومة مـن غصبـية حكومة غير الامام المعصوم، وتالياً نفي الدولة مطلقاً، والاصولي يـنطلق في نفي مشروعية حكومة غير الفقيه، مـن مـنطلق النيابة العامة للفقيه عن الامام المعصوم، وتالياً نفي دولة غير الفقيه.


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

1 ـ د. وجيه كوثراني، الفقيه والسلطان ، دار الراشد، بـيروت الطبعة 1989 ص 47

2 ـ آدم متـز، الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري أو عصر نهضة الاسلام، تعريــب محمد عبد الهادي أبو ريدة، الجزء الاول، الطبعة الخامسة، ص 145

3 ـ المصدر السابق ص 121

4 ـ المصدر السابق ص 123

5 ـ المصدرالسابق   ص 60

6 ـ علي مروة، التشـيّع بـيـن جبل عامل وايران، دار رياض الريس للكتب والنشر، ص 38

7 ـ   فهمي هويدي، إيران مـن الداخل، القاهرة ط 1408هــ، ص 58.

8 ـ د. كامل مصطفى الشبـيــبـي، الطريقة الصفوية ورواسبها في العراق المعاصر، مكتبة النهضة، بغداد 1967 ص 33

9 ـ المصدر السابق ص 31

10 ـ سيوري، إيران في العهد الصفوي، ص 26، باللغة الفارسية.

11 ـ د. علي الوردي، لمحات اجتماعية مـن تاريخ العراق الحديث، كوفان للنشر، لندن، الطبعة الثانية 1991 ص 60

12 ـ الميرزا عبد الله افندي الاصبهاني، مـن اعلام القرن الثاني عشر. انظر: رياض العلماء وحياض الفضلاء ، تحقيق السيد أحمد الحسيـني ، مطبعة الخيام ، قم/ إيران 1401هـ، ص 448، ونص الرسالة باللغة الفارسية في الصفحات مـن455   الى ص 460، وأيضاً صالحي نجف آبادي، ولايت فقيه: حكومت صالحان، مؤسسة خدمات فرهنكي، الطبعة الاولى 1983م

13 ـ يوسف البحراني (ت 1186هـ)، لؤلؤة البحريـن، تحقيق وتعليق سيد محمد صادق بحر العلوم، مؤسسة آل البـيت للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، د. ت، ص152 ـ 153، وأنظر: محمد رضا حكيمي، تاريخ العلماء عبر العصور المخـتلفة، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ، بـيروت، الطبعة الاولى 1983، ص407. نقلاً عن نعمة الله الجزائري ـ شرح غوالي اللئاليء.

14 ـ مرتضى مطهري، ايران والاسلام، ترجمة محمد هادي اليوسفي، دار البلاغة، بـيروت ـ لبـنان الطبعة الاولى 1991 ص 338

15 ـ د. كامل مصطفى الشبـبـي، مصدر سابق ص 33.

16 ـ الشـيخ يوسف البحراني، الحدائق النضرة في أحكام العترة الطاهرة، حققه وعلق عليه محمد تقي الايرواني، دار الاضواء بـيروت ـ لبـنان، الطبعة الثانية   1985. الجزء الثامـن عشر، ص 131

17 ـ أبدى القطيفي قـدراً كبـيراً مـن الحديّة في مورد نقـده لرسالة الكركي، وقال ما نصه: (أشهد بالله أن جهاد مثل هذا الرجل على الغلط والاغلاط في المسائل، أفضل مـن الجهاد بالضرب بالسيف في سبـيل الله). انظر: (الرسالة الرضاعية)، مخطوطة محفوظة في مؤسسة البقيع لاحياء التراث، بـيروت (د. ت) ص 77.

18 ـ الميرزا عبد الله افندي الاصبهاني، رياض العلماء وحياض الفضلاء، مصدر سابق ص15، 16. وانظر: يوسف البحراني، لؤلؤة البحريـن، مصدر سابق، ص161

19 ـ الشـيخ ابراهيم القطيفي، رسالة في الخراج، مخطوطة نسخة محفوظة في مؤسسة البقيع لاحياء التراث بـيروت (د. ت) ص ص 156، 157

20 ـ المصدر السابق

21 ـ ابـن ادريس، السرائر في تحرير الفتاوي، مؤسسة النشر الاسلامي، قم، الطبعة الثانية 1410هـ، الجزء الثاني ص   202، 203

22 ـ الحدائق النضرة، مصدر سابق، الجزء الثامـن عشر، ص 261. وأنظر ايضاً: الكشكول، الشـيخ يوسف البحراني، مؤسسة الوفاء ودار النعمان، قم الطبعة الثانية1985، الجزء الاول، ص291 ـ 292.

23 ـ الشـيخ يوسف البحراني، الكشكول، الجزء الاول، ص 290

24 ـ الشـيخ أبـي جعفر محمد بـن مـنصور بـن أحمد بـن ادريس الحلي، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، الجزء الثالث ص 545

25 ـ المحقق الكركي، جامع المقاصد في شرح القواعد، الطبعة الحجرية (د. ت) كتاب الصلاة، وايضاً رسائل المحقق الكركي، تحقيق الشـيخ محمد الحسّون، مـنشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشـي النجفي، مطبعة الخيام، الطبعة الاولى 1409هـ، المجموعة الاولى ص 143.

26 ـ رسائل الكركي، مصدر سابق.

27 ـ أوجب الشهيد الاول صلاة الجمعة مع كون الامام فقيهاً، لتحقق الشرط وهو إذن الامام الذي هو شرط في الجملة اجماعاً. زيـن الديـن الجبعي العاملي الشهيد الثاني، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، مـنشورات جامعة النجف الديـنية (د. ت). الجزء الاول ص 299. وانظر أيضاً: الدروس، للشهيد الاول.

28 ـ الخراج كما يعرّفه الكركي: هو ما يضرب على الارض كالاجرة لها، وفي معناه المقاسمة، غير أن المقاسمة تكون جزءً مـن حاصل الزرع، والخراج مقـدار مـن النقـد يضرب عليها. أنظر: رسائل المحقق الكركي، المجموعة الاولى ص 266

29 ـ يقسّم الكركي الاراضي الى قسميـن: أحدهما: أرض بلاد الاسلام وهي على قسميـن: عامر، وموات. فالعامر لأهله لا يجوز التصرف فيه الا بإذن ملاكه، والموات وإن لم يجر عليه ملك مسلم فهو لامام المسلميـن يفعل به ما يشاء. القسم الثاني: ما ليس كذلك وهو أربعة أقسام: احدها ما يملك بالاستغنام ويؤخذ بالسيف، وهو المسمى بالمفتوح عنوة، وهذه الارض للمسلميـن قاطبة. انظر: الشـيخ الكركي، رسائل المحقق الكركي، المجموعة الاولى ص 239

30 ـ المصدر السابق ص 269

31 ـ رسائل المحقق الكركي ، مصدر سابق ص 280 ـ 281

32 ـ الشـيخ ابراهيم القطيفي، رسالة في الخراج، أو السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج، مخطوطة ص 116

33 ـ المصدر السابق ص 133

34 ـ المصدر نفسه ص 101

35 ـ د. وجيه كوثراني، الفقيه والسلطان، مصدر سابق ص 153 ـ 154.

36 ـ قال الشهيد الثاني بانعقاد صلاة الجمعة بالامام العادل أو نائبه خصوصاً، أو عموماً أو لو كان النائب فقيهاً جامعاً لشرائط الفتوى. انظر: الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، مـنشورات جامعة النجف الديـنية (د. ت). الجزء الاول ص 299. وأنظر ايضاً: روض الجنان في شرح ارشاد الاذهان، مؤسسة آل البـيت لاحياء التراث، باب الصلاة.

37 ـ الشيخ مرتضى مطهري، ايران والإسلام، مصدر سابق ص 339.

38 ـ ناقش الاردبـيلي اجماع الفقهاء الشـيعة في مسألة صلاة الجمعة، في اطار الوجوب التعييـني والوجوب التخييري، وقال ـ وقـد نقل الاجماع على الاشتراط حضور الامام ـ (والذي يظهر بالتأمل في الآية: اذا نودي للصلاة مـن يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله. والاخبار عن الائمة بوجوب صلاة الجمعة، هو عدم الاشتراط حضور الامام أو نائبه الخاص بوجه، لأن ظاهر الامر بل صريحه مع عدم ورود شـيء آخر دال على التخييري، وأبدل المأمور به هو الوجوب العيـني، كما يفهم مـن النظر في دليل افادة ظاهر الامر الوجوب. وعلى تقـدير العموم لا شك في صرفه الى العيـني مع عدم وجود ما يدل على التخييري ظاهراً للاستصحاب: والاصل عدم الغير والاخبار الدالة على الوجوب كثيرة جداً، وأكثرها صحيحة، وفي بعضها التأكيدات والمبالغات الكثيرة المفيدة للظن القوي بالوجوب العيـني الفوري المضيق المقـدر بزمان قليل، وهو يظهر لمـن تتبع). ولكن الاردبـيلي رجّح دليل الاجماع، (فما لنا الا التمسك بالاجماع). أنظر: المولى أحمد المقـدس الاردبـيلي، مجمع الفائدة والبرهان في شرح ارشاد الاذهان، مؤسسة النشر الاسلامي، قم 1413هـ، الجزء الثاني ص 361

39 ـ الشـيخ مرتضى الانصاري، المكاسب، تحقيق السيد محمد كلانـتر، مـنشورات جامعة النجف الديـنية (د. ت) الجزء الخامس، الصفحات 248، 249، 273.

(*) الأخبار: اتجاه يرى بأن استنباط الأحكام الشرعية يعتمد على الكتاب والسنّة فحسب، وفي حالات أخرى يجري التوسّل بأصل البراءة في الشبهات الحكمية بعد اليأس من تحصيل دليل الحكم من المصدرين سالفي الذكر.

أما الأصول: فاتجاه نشأ في القرن الرابع الهجري وتبلور في القرن الخامس الهجري على يد علماء مدرسة الحلّة بالعراق. ويرى هذا الإتجاه بأن عملية استنباط الأحكام الشرعية تخضع ـ إضافة الى أدلّة الكتاب والسنّة ـ الى دليل العقل والإجماع في حال غياب النص القطعي ظاهر الدلالة.

كاتب
371319