ماضٍ حلو!
وحاضر مخلل! بانتظار المستقبل
هيئة التحرير - 14 / 10 / 2007م - 1:38 م - العدد (1)


 

نُحبّ الأمس ، لأنه أصبح أمساً.

والأمس مهما قسى صار ذكرى،

وفي معظم الأحيان تكون ذكريات الأمس جميلة مقارنة بالحاضر المضني.

ونُحبّ الغد، لأنّه لم يأتِ ولم نعرفه، ولأننا متعلّقون بالأحلام والأماني. وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!

أما الحاضر، فننتظره يُطبخ على نار هادئة ، ريثما يتحوّل الى ذكرى تحوي شيئاً من المتعة، أو على الأقل تذكرنا بما هو أقلّ سوءًا، أو تخفي عنا شيئاً من البشاعة القائمة.

الهروب الى الماضي، جميل ، ألا ترانا نتعلّق به، لا لأنه في حينه كان جميلاً ، ولا لأنه في واقعه كان حسناً ، ولا لأننا ندرك حقيقته وكنهه وتفاصيله، لنحاكمه عقلياً. إذ لو فعلنا ما التجأنا اليه.

نحن أحببنا الماضي، لأنه تراءى لبعضنا على الأقلّ كجنّة بالنسبة للنار التي يصطليها، فتعلقنا به، ليس عن جهل فحسب.. بل وعن عاطفة عمياء، أو اعتماداً على معلومة خاطئة قالت لنا أنه كان بكل تفاصيله رائعاً.

الصحيح أننا أحببناه، لأنه تحوّل الى ذكرى.

ألا ترانا متعلقين بالتاريخ.

يقولون أن تاريخنا كان جميلاً . وما أدراهم؟!

معظم من التجأ اليه، لا يعرفه، وقد يكون أسوء من الحال الحاضر، أو لن يكون الحاضر أكثر سوءً منه.

أيّ كرامة بقيت للآدمي في ذلك التاريخ؟.

كم عدد من قتل والتهمته الحروب القبليّة، والحروب الدينية ، والحروب من أجل الكراسي، والحروب من أجل جارية، والحروب من أجل بعير؟.

كم حُفظت من حقوق الإنسان العربي المسلم؟. لربما كان المسيحيون واليهود أفضل حالاً، وأكثر من تمتع بذلك التاريخ الزاهي!!، فقد كانوا أقلّ المتضررين، إن لم يكونوا أكثر المنتفعين، وأصحاب الحظوة عند السلاطين.

قارنوا حالنا بين الأمس واليوم.

سنجد انفسنا جميعاً، نحن أبناء السلف، أننا نقتفي خطى أجدادنا الضحايا الظالمي أنفسهم، حذو القذة بالقذة!

سنجد أن شيئاً لم يتغير سوى عزّة موهومة، ظهرت على السطح، لعدم وجود التحدي، بعد انتشار رقعة الأسلام في صدره الأول.

ألهذا أحببنا التاريخ وارتمينا في أحضانه؟

ألهذا فقدنا البصيرة ونحن نكرر تاريخنا ، وفي الحقيقة أننا لا نكرره لأننا لم نخرج منه، ولم نبدل أو نغير فيه شيئاً، فما نعيشه امتداد لذلك التاريخ بكل تفاصيله السوداء.

ما نحن فيه يعود في جانب أساسي منه الى ذلك التاريخ الذي نتغنّى بحسنه ودلاله وروعته، فحاضرنا موصول به بأنابيب ضخمة لا تؤثر فيها عوامل الطبيعة شيئاً .

ومع هذا ، نحن نحب الماضي، لأنه ذكرى .

وأما ذكرياتنا الخاصة ، ماضينا الحاضر، فأكثرنا يستمتع بتذكر تفاصيله رغم سوئها في حينها.

الماضي الذي نحبّه هو وهمٌ لازلنا نتمرغ فيه.

أما الحاضر فنطبخه ليتحوّل الى ماض، يواصل الفتك بنا.

والمستقبل نطلّ عليه بفعل العاجز الصابر المحتسب المنتظر، لمائدة من السماء تكون لنا عيدا.

وننظّر له بـ (المهدي) الموعود، فكل راية قبل رايته ضلال!

المستقبل الذي نجهله ونستقبله بغباء وبآمال وانتظار الكسالى، يتحول الى حاضر مرّ، والحاضر المرّ نخلّله ليتحول الى ماض حلو المذاق، نلقي عليه ترهات فكرنا، ونهرب اليه فراراً وعجزاً عن مقاومة الحاضر.

371306